الآلوسي
67
تفسير الآلوسي
وزعم بعضهم أن الإبراز في الصفات الجارية على غير من هي له إنما يشترط في الاسم دون الفعل كما هنا ومنع ذلك ، وتعقب الوجهان بأنهما يوهمان أنه تجوز الموالاة عند عدم الالقاء فيحتاج إلى القول بأنه لا اعتبار للمفهوم للنهي عن الموالاة مطلقاً في غير هذه الآية ، أو يقال : إن الحال والصفة لازمة ولذا كانت الجملة مفسرة وقوله تعالى : * ( وَقَدْ كَفَرُوا بمَا جَاءَكُمْ مِّن الْحَقِّ ) * حال من فاعل * ( لا تتخذوا ) * وهي حال مترادفة إن كانت جملة * ( تلقون ) * حالية أيضاً أو من فاعل * ( تلقون ) * وهي متداخلة على تقدير حالتيها ، وجوز كونه حالاً من المعفول وكونه مستأنفاً . وقرأ الجحدري . والمعلى عن عاصم - لما - باللام أي لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب للايمان سبب الكفر * ( يُخْرجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكُمْ ) * أي من مكة * ( أَنْ تُؤْمنُوا بالله رَبِّكُمْ ) * أي لايمانكم أو كراهة إيمانكم بالله عز وجل ، والجار متعلق - بيخرجون - والجملة قيل : حال من فاعل * ( كفروا ) * أو استئناف كالتفسير لكفرهم كأنه قيل : كيف كفروا ؟ وأجيب بأنهم كفروا أشد الكفر بإخراج الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين لايمانهم خاصة لا لغرض آخر ، وهذا أرجح من الوجه الأول لطباقه للمقام وكثرة فوائده ، والمضارع لاستحضار الحال الماضية لما فيها من مزيد الشناعة ، والاستمرار غير مناسب للمعنى ، وفي * ( تؤمنوا ) * قيل : تغليب للمؤمنين ، والالتفات عن ضمير المتكلم بأن يقال : بي إلى ما في النظم الجليل للإشعار بما يوجب الايمان من الألوهية والربوبية * ( إنّ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جهَاداً في سَبيلي وَابْتَغَاءَ مَرْضَاتي ) * متعلق بقوله تعالى : * ( لا تتخذوا ) * الخ كأنه قيل : لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي فجواب الشرط محذوف دل عليه ما تقدم ، وجعله الزمخشري حالاً من فاعل * ( لا تتخذوا ) * ولم يقدر له جواباً أي لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والحال أنكم خرجتم لأجل الجهاد وطلب مرضاتي ، واعترض بأن الشرط لا يقع حالاً بدون جواب في غير إن الوصلية ، ولا بد فيها من الواو وأن ترد حيث يكون ضد المذكور أولى - كأحسن إلى زيد وإن أساء إليك - وما هنا ليس كذلك . وأجيب بأن ابن جني جوزه ، وارتضاه جار الله هنا لأن البلاغة وسوق الكلام يقتضيانه فيقال لمن تحققت صداقته من غير قصد للتعليق والشك : لا تخذلني إن كنت صديقي تهييجاً للحمية ، وفيه من الحسن ما فيه فلا يضر إذا خالف المشهور ، ونصب المصدرين على ما أشرنا إليه على التعليل ، وجوز كونهما حالين أي مجاهدين ومبتغين ، والمراد بالخروج إما الخروج للغزو . وإما الهجرة ، فالخطاب للمهاجرين خاصة لأن القصة صدرت منهم كما سمعت في سبب النزول ، وقوله تعالى : * ( تُسرُّونَ إلَيْهمْ بالمَوَدَّة ) * استئناف بياني كأنهم لما استشعروا العتاب مما تقدم سألوا ما صدر عنا حتى عوتبنا ؟ فقيل : * ( تسرون ) * الخ ، وجوز أن يكون بدلاً من * ( تلقون ) * بدل كل من كل إن أريد بالإلقاء خفية ، أو بدل بعض إن أريد الأعم لأن منه السر والجهر . وقال أبو حيان : هو شبيه ببدل الاشتمال ، وجوز ابن عطية كونه خبر مبتدأ محذوف أي أنتم * ( تسرون ) * والكلام استئناف للإنكار عليهم ، وأنت تعلم أن الاستئناف لذلك حسن لكنه لا يحتاج إلى حذف ، والكلام في الباء هنا على ما يقتضيه ظاهر كلامهم كالباء فيما تقدم ، وقوله تعالى : * ( وَأَنَا أَعْلَمُ بمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ) *